محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
287
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
محال في حقّهم ؛ لما قدّمناه من خراب البواطن وظلمة القلوب ، وكيف يتصوّر ذلك منهم وهم لم يعملوا على تخلّصهم من التكاليف الواجبة عليهم في ظواهرهم وبواطنهم ، بل لم يعرفوا ذلك البتة ، وإن ادّعوا أنهم على أحوال لا يجب عليهم فيها حكم يحتاجون إلى تعرّفه والقيام به فهم مخدوعون ، ومن أين لهم ذلك ، والعلم به لا يحصل ضرورة ، فلا بدّ لهم من استفادته ، ولا عناية لهم بهذا أيضا ، وإنما كان يتصوّر منهم باعث الدين لو توفّرت أغراضهم كلّها عليه ، ووصلوا إلى ما يمكنهم الوصول إليه من شهواتهم ولذاتهم بسبب ما ، من أسباب الدنيا ، ثم يصرفون ما فضل من أوقاتهم عن محاولة هذه المطالب ونيلها إلى طلب العلم عوضا عن البطالة « 1 » التي يتبرّم « 2 » بها صاحبها ، ويدعوه فراغه من أشغال دنياه إلى قطع ذلك الوقت بلهو ولعب ، أو ارتكاب معصية وذنب ، لا البطالة التي يكون فيها استراحة لنفسه ، واستجمام « 3 » لعقله وحسّه ، ففي هذه الحال قد يصحّ باعث الدين من أمثال هؤلاء . وأمال الحال التي وصفناها فلا يتصوّر عليها باعث إلّا الدنيا المجرّدة الجاوزة للحدّ في الذم والمقت بمنزلة من هو حريص على الاتساع في الدنيا ، والحصول على غاية ملاذّها ؛ فإنه يعمل فيما يوصّله إلى ذلك وإن كان فيه هلاكه : فتراه يرتكب الأخطار ، ويخوض لجج « 4 » البحار ، ويجوب البراري والقفار ، ويهون عليه - في جنب ما يأمله - كلّ مشقّة تصيبه وبليّة تنزل به . ولو لم يفعل هذا لم يحصل إلّا على سدّ الرمق « 5 » ، والاقتصار على التبلّغ والعلق « 6 » . فكذلك هؤلاء الذين كلامنا فيهم ، لو لم يتصوّروا في خواطرهم الحصول على كليات أغراضهم : من اتساع ما لهم ، وجاههم في دنياهم ، ووصولهم مع ذلك إلى رفيع الدراجات في عقباهم ، لم يبلغوا ذلك المبلغ في الاجتهاد ، ولاقتصروا على بعضه . وهذه كلّها أمور بيّنة لا إشكال فيها عند من له أدنى تمييز وفهم ، وليس المانع لأكثر من ينتسب إلى العلم من العمل بمقتضى ما ذكرناه خفاءه عليهم ، كيف ، وهم يعتقدون صحته ، ويسلمون حاصله وحقيقته في الأحايين عندما ينجلي عن قلوبهم بعض ظلماتهم ، وتتزحزح عن عظيم غمرتها ، إمّا بتكذير مذكّر من الخلق ، أو وعظ واعظ في قلوبهم من
--> ( 1 ) البطالة : العطلة عن العمل . ( 2 ) تبرم به : تضجّر منه وسئمه . ( 3 ) الاستجمام : الراحة . ( 4 ) لجج : ( ج ) لجة : الماء الكثير تصطخب أمواجه . ولحج البحر : عرضه . ( 5 ) الرمق : بقية الحياة وبقية الروح أو القليل من العيش الذي يحفظ الحياة . ( 6 ) العليق : ما تعلفه الدابة من شعير ونحوه .